حوار مع الكاتب التونسي محمد عيسى المؤدب - أجرى الحوار : الصحفي محمد الماجري
حوار مع الكاتب التونسي محمّد عيسى المؤدّب
أجرى الحوار : الصحفي محمّد الماجري
1 – هل أنّ الكتابات التونسيّة أضحت رهينة التّقليد؟
الكتابة كما نعرف موقف ، موقف الأنا من الآخر ، من العناصر التي تحاورنا أو تنشئ صراعات معنا...و الكتابات التونسيّة في شتى مجالات الكتابة الإبداعية تتواصل مع الآخر ، في كلّ المناخات و الأشكال و المضامين لكنّها في الأخير تنتصر لكيانها..تترسّخ في تربتها و تتجذّر في واقعها الإنساني....بمعنى آخر الكتابات التونسيّة تؤسسّ لتميّزها أشكالا و مضامين و نقف على ذلك خاصّة في الرواية و القصّة القصيرة من خلال الإيغال في التّجريب و المغامرة في تشكيل البناء و التعمّق في دراسة مشاغل الإنسان المعاصر و متابعة قضايا المجتمع التونسي...إنّه المبدع الذي ينحت هويّته من خلال كتاباته.....
2- ظهر مفهوم التّجريبيّة في الكتابات النقديّة المعاصرة فأضحى منوالا للمناهج التي يتمّ تفعيلها على مدار النصّ..فماهيّ رؤيتك لهذا المبحث؟...
لنتّفق أوّلا على مفهوم التّجريبيّة...إنّ كل إبداع يوصف بالتجريبي .. إنّه مساحة يمنحها الكاتب لنفسه حتى يحاول اقتحام فضاءات أخرى لم يكتشفها من قبل ، فيغامر بنحت أشكال و مضامين جديدة... وهذا بديهي في الأدب التجريبي ...لكنّ هذا الأدب مع ما يمكن أن يوفّره من إضافة و تميّز يظل دوما بلا هويّة لأنه لا يستجيب في الأصل إلى منطق ، و لا ينضوي لقاعدة : اجتماعيا وأخلاقيا ، ودينيا و ثقافيّا .. وفائدة التجريبية هي ما تشكّله ربّما من إشارات جديدة ، ورؤى فيها إضافات ...
لذلك فإنّ التّجريبيّة لا يمكن أن تكون مدرسة بحدّ ذاتها...هيّ رؤية قد تفيد الكاتب في تنويع مناخات الكتابة و الولوج بها في عوالم سرديّة جديدة مفيدة لاستقراء الجديد و المتغيّر..
3– كما تكون الذّكرى عذبة تكون معذّبة، فهل أنّ الذاكرة هيّ سلطان القلم أمّ أنّ القلم هوّ محرّك الذّاكرة؟
الذّكرى كما تكون ، عذبة أو معذّبة هيّ صورة ناطقة بهويّة الإنسان ، بعواطفه و مشاغله و انتظاراته..لذلك تكون الذاكرة محورا مركزيا في الكتابة..تحضر صورا و رؤى و انفعالات...هيّ مساحات حنين و شوق لما مضى و هي دروب تثرى كيان الكاتب حاضرا...تؤجّل موته ربّما بمشاعر لا تموت..هيّ المركز دائما في شخصيّة الإنسان...
و القلم بما يحفل به من أسئلة و انتظارات يغوص في دهاليز الذّاكرة ، يستنهض أجراسها و هتافاتها و يحدّد من خلالها وجهته...القلم بما يكتنزه من انفعالات و رؤى يجوس مغالق عالمه بعيون ذاكرته...
فبين الذّاكرة و القلم محاورة متحرّرة و متحرّكة...و لها وشائج و صلات لقراءة العناصر و تأسيس هويّة الكتابة...
فلا يخلو نصّ من حضور الذّاكرة...تحضر كما هيّ ، تتدفّق ماء له من الحلاوة حينا و له من المرارة أحيانا...كما هيّ الحياة...
أجرى الحوار : الصحفي محمّد الماجري
1 – هل أنّ الكتابات التونسيّة أضحت رهينة التّقليد؟
الكتابة كما نعرف موقف ، موقف الأنا من الآخر ، من العناصر التي تحاورنا أو تنشئ صراعات معنا...و الكتابات التونسيّة في شتى مجالات الكتابة الإبداعية تتواصل مع الآخر ، في كلّ المناخات و الأشكال و المضامين لكنّها في الأخير تنتصر لكيانها..تترسّخ في تربتها و تتجذّر في واقعها الإنساني....بمعنى آخر الكتابات التونسيّة تؤسسّ لتميّزها أشكالا و مضامين و نقف على ذلك خاصّة في الرواية و القصّة القصيرة من خلال الإيغال في التّجريب و المغامرة في تشكيل البناء و التعمّق في دراسة مشاغل الإنسان المعاصر و متابعة قضايا المجتمع التونسي...إنّه المبدع الذي ينحت هويّته من خلال كتاباته.....
2- ظهر مفهوم التّجريبيّة في الكتابات النقديّة المعاصرة فأضحى منوالا للمناهج التي يتمّ تفعيلها على مدار النصّ..فماهيّ رؤيتك لهذا المبحث؟...
لنتّفق أوّلا على مفهوم التّجريبيّة...إنّ كل إبداع يوصف بالتجريبي .. إنّه مساحة يمنحها الكاتب لنفسه حتى يحاول اقتحام فضاءات أخرى لم يكتشفها من قبل ، فيغامر بنحت أشكال و مضامين جديدة... وهذا بديهي في الأدب التجريبي ...لكنّ هذا الأدب مع ما يمكن أن يوفّره من إضافة و تميّز يظل دوما بلا هويّة لأنه لا يستجيب في الأصل إلى منطق ، و لا ينضوي لقاعدة : اجتماعيا وأخلاقيا ، ودينيا و ثقافيّا .. وفائدة التجريبية هي ما تشكّله ربّما من إشارات جديدة ، ورؤى فيها إضافات ...
لذلك فإنّ التّجريبيّة لا يمكن أن تكون مدرسة بحدّ ذاتها...هيّ رؤية قد تفيد الكاتب في تنويع مناخات الكتابة و الولوج بها في عوالم سرديّة جديدة مفيدة لاستقراء الجديد و المتغيّر..
3– كما تكون الذّكرى عذبة تكون معذّبة، فهل أنّ الذاكرة هيّ سلطان القلم أمّ أنّ القلم هوّ محرّك الذّاكرة؟
الذّكرى كما تكون ، عذبة أو معذّبة هيّ صورة ناطقة بهويّة الإنسان ، بعواطفه و مشاغله و انتظاراته..لذلك تكون الذاكرة محورا مركزيا في الكتابة..تحضر صورا و رؤى و انفعالات...هيّ مساحات حنين و شوق لما مضى و هي دروب تثرى كيان الكاتب حاضرا...تؤجّل موته ربّما بمشاعر لا تموت..هيّ المركز دائما في شخصيّة الإنسان...
و القلم بما يحفل به من أسئلة و انتظارات يغوص في دهاليز الذّاكرة ، يستنهض أجراسها و هتافاتها و يحدّد من خلالها وجهته...القلم بما يكتنزه من انفعالات و رؤى يجوس مغالق عالمه بعيون ذاكرته...
فبين الذّاكرة و القلم محاورة متحرّرة و متحرّكة...و لها وشائج و صلات لقراءة العناصر و تأسيس هويّة الكتابة...
فلا يخلو نصّ من حضور الذّاكرة...تحضر كما هيّ ، تتدفّق ماء له من الحلاوة حينا و له من المرارة أحيانا...كما هيّ الحياة...
4- هل أنّ المكان ارتحل من الناحية الواقعيّة ليغوص قي مكان آخر أسطوري داخل القصّة القصيرة التونسيّة؟
يرتبط المكان عادة بالعديد من الإشكاليات : البنية الوصفيّة للمكان ، وتركيبته اللغوية، و حركته الاجتماعية، وإيقاعاته النفسية،وتنويعاته الجمالية… و يسعى الكاتب في القصّة القصيرة إلى التعبير عنه بطريقة التكرار غير الواعي افتراضاً؛ ما يجسد دلالة عميقة على مستوى السرد ...
و يشكل المكان بعداً جمالياً في السرد عموماً ؛ وهذا البعد لا بدّ من أن يحضر بشكل متفاوت و متغاير ؛ لأنّ البنية السردية مقتضبة ؛ لذلك ترد صورة المكان ذات منحى شعري و أسطوري و يبقى المكان خطاباً لغوياً مفضياً إلى الواقع أو التّخييل، و هو بذلك – المكان - ومضة لغوية، تنتقل من النص إلى المتلقي الذي يشكّله وفق رؤاه و قراءاته..
فالمكان كفضاء في القصة القصيرة يرتحل من الواقع إلى الأسطورة أو الرّمز و لكنّه لا يفقد مرجعيّاته....
5– هل ثمّة تقاطع في التّجربة التونسيّة بين مبدعيها؟...
نعم ، هذا أكيد ، هناك تقاطع بين المبدعين في شتى مجالات الكتابة ، تقاطع يفرضه الاختلاف الجوهري في القناعات الفكرية و السياسيّة و في النّظرة إلى الإبداع بشكل عام....و نلحظ عدم اتّضاح الرّؤية لتجربة تونسيّة خاصّة سواء كان ذلك في الأشكال...هناك تباعد حقيقي بين النّصوص...بين الانتصار للواقعيّة في شتى المقوّمات وبين المضيّ إلى مغامرة التّجريب بما تتّصف به أحيانا من غياب المنطق و ذوبان الهويّة....
أمّا المضمون فهو واحد استنادا إلى أنّ المجتمع التونسي مجتمع مستقرّ و معتدل تحكمه رؤى سياسيّة و اجتماعيّة و دينيّة واضحة ، لا اختلاف و لا صراع فيها...
محمّد عيسى المؤدّب :
من مواليد قليبية سنة 1966 و قاطن بقرية صاحب الجبل - الوطن القبلي - تونس - متحصّل على الأستاذيّة في اللّغة و الحضارة العربيّة - كليّة الآداب بمنّوبة. أصدر مجموعتين قصصيّتين : 1- عرس النّار ( الدار العربيّة للكتاب 1995 ) و هي جائزة رئيس الجمهوريّة لأدب الشباب سنة 95. 2- أيّة إمرأة أكون ؟ ( الأطلسيّة للنّشر سنة 1999) بالإضافة إلى كتابات أخرى في النّقد و قصص الأطفال و التّربية. عضو اتّحاد الكتّاب التّونسيين
6– هل تروم المغامرة النصيّة قصد المغايرة اللّغويّة؟
مع كلّ نصّ هناك مغامرة جديدة و متجدّدة ، فالكتابة كما أراها لا تغويها الهندسة المسبقة و الصّارمة التي تملي قوانينها...الكتابة انفلات من تلك الحدود و القوانين ، تصنع هندستها المتغايرة في كل نصّ ، تؤثّثه و تثريه و توغل به في مدارات من الفجائيّة و العجيب ...و لذلك فإنّه لكلّ نصّ لغته بما أنّ اللّغة مادّة الإبداع..فلا خيال و لا جمال إلا باللّغة التي تنحت كيانها بتنوّع المراجع و ثرائها...فتصغي للشّعر فتكون كالماء..و تنهل من كلّ الفنون فتكون عميقة..و تصادق المجتمع فيحضر المسكوت عنه و يتراءى بكلّ يسر و جلاء للمتلقّي الوجه و القفا....
و إنّ كلّ نصّ حامل لهمومه و هواجسه و طاقاته...
7– كيف تقيّم المشهد الإبداعي التونسي في مجال القصّة القصيرة؟
القصّة القصيرة التونسيّة متأخّرة 80 عاما عن القصّة عند الغرب ، و قد شهدت العديد من الأطوار و التحوّلات ، لكنّ انطلاقتها الفنيّة الإبداعيّة كانت مع أب القصّة القصيرة التونسيّة على الدوعاجي ، على الدوعاجي الذي ألبس القصّة ثوبها التونسي شكلا و مضامين فتميّزت و اقتربت من الكتّاب و من المجتمع أيضا....و اشتغلت حركة الطليعة في الستّينات على البناء فتعددت التجارب في هذا الشّأن..مع الانفتاح على مضامين مستجدّة ، وواصل جيل التسعينات المغامرة في البناء القصصي مع الاهتمام أكثر بالتفاصيل ، أي بنحت الصورة تأثّرا بالتطوّر الحاصل في مجالات الاتّصال....
فالقصّة القصيرة التونسيّة عموما نهضت على الانفتاح على تجارب الآخر – الغرب و الشّرق – و لم تنس هويّتها و تربتها...و نلحظ تغايرا في التجارب من الواقعي إلى الذهني إلى التراثي...و اختلافا بالطّبع في البنى القصصية شكلا و لغة و فضاءات....
يرتبط المكان عادة بالعديد من الإشكاليات : البنية الوصفيّة للمكان ، وتركيبته اللغوية، و حركته الاجتماعية، وإيقاعاته النفسية،وتنويعاته الجمالية… و يسعى الكاتب في القصّة القصيرة إلى التعبير عنه بطريقة التكرار غير الواعي افتراضاً؛ ما يجسد دلالة عميقة على مستوى السرد ...
و يشكل المكان بعداً جمالياً في السرد عموماً ؛ وهذا البعد لا بدّ من أن يحضر بشكل متفاوت و متغاير ؛ لأنّ البنية السردية مقتضبة ؛ لذلك ترد صورة المكان ذات منحى شعري و أسطوري و يبقى المكان خطاباً لغوياً مفضياً إلى الواقع أو التّخييل، و هو بذلك – المكان - ومضة لغوية، تنتقل من النص إلى المتلقي الذي يشكّله وفق رؤاه و قراءاته..
فالمكان كفضاء في القصة القصيرة يرتحل من الواقع إلى الأسطورة أو الرّمز و لكنّه لا يفقد مرجعيّاته....
5– هل ثمّة تقاطع في التّجربة التونسيّة بين مبدعيها؟...
نعم ، هذا أكيد ، هناك تقاطع بين المبدعين في شتى مجالات الكتابة ، تقاطع يفرضه الاختلاف الجوهري في القناعات الفكرية و السياسيّة و في النّظرة إلى الإبداع بشكل عام....و نلحظ عدم اتّضاح الرّؤية لتجربة تونسيّة خاصّة سواء كان ذلك في الأشكال...هناك تباعد حقيقي بين النّصوص...بين الانتصار للواقعيّة في شتى المقوّمات وبين المضيّ إلى مغامرة التّجريب بما تتّصف به أحيانا من غياب المنطق و ذوبان الهويّة....
أمّا المضمون فهو واحد استنادا إلى أنّ المجتمع التونسي مجتمع مستقرّ و معتدل تحكمه رؤى سياسيّة و اجتماعيّة و دينيّة واضحة ، لا اختلاف و لا صراع فيها...
محمّد عيسى المؤدّب :
من مواليد قليبية سنة 1966 و قاطن بقرية صاحب الجبل - الوطن القبلي - تونس - متحصّل على الأستاذيّة في اللّغة و الحضارة العربيّة - كليّة الآداب بمنّوبة. أصدر مجموعتين قصصيّتين : 1- عرس النّار ( الدار العربيّة للكتاب 1995 ) و هي جائزة رئيس الجمهوريّة لأدب الشباب سنة 95. 2- أيّة إمرأة أكون ؟ ( الأطلسيّة للنّشر سنة 1999) بالإضافة إلى كتابات أخرى في النّقد و قصص الأطفال و التّربية. عضو اتّحاد الكتّاب التّونسيين
6– هل تروم المغامرة النصيّة قصد المغايرة اللّغويّة؟
مع كلّ نصّ هناك مغامرة جديدة و متجدّدة ، فالكتابة كما أراها لا تغويها الهندسة المسبقة و الصّارمة التي تملي قوانينها...الكتابة انفلات من تلك الحدود و القوانين ، تصنع هندستها المتغايرة في كل نصّ ، تؤثّثه و تثريه و توغل به في مدارات من الفجائيّة و العجيب ...و لذلك فإنّه لكلّ نصّ لغته بما أنّ اللّغة مادّة الإبداع..فلا خيال و لا جمال إلا باللّغة التي تنحت كيانها بتنوّع المراجع و ثرائها...فتصغي للشّعر فتكون كالماء..و تنهل من كلّ الفنون فتكون عميقة..و تصادق المجتمع فيحضر المسكوت عنه و يتراءى بكلّ يسر و جلاء للمتلقّي الوجه و القفا....
و إنّ كلّ نصّ حامل لهمومه و هواجسه و طاقاته...
7– كيف تقيّم المشهد الإبداعي التونسي في مجال القصّة القصيرة؟
القصّة القصيرة التونسيّة متأخّرة 80 عاما عن القصّة عند الغرب ، و قد شهدت العديد من الأطوار و التحوّلات ، لكنّ انطلاقتها الفنيّة الإبداعيّة كانت مع أب القصّة القصيرة التونسيّة على الدوعاجي ، على الدوعاجي الذي ألبس القصّة ثوبها التونسي شكلا و مضامين فتميّزت و اقتربت من الكتّاب و من المجتمع أيضا....و اشتغلت حركة الطليعة في الستّينات على البناء فتعددت التجارب في هذا الشّأن..مع الانفتاح على مضامين مستجدّة ، وواصل جيل التسعينات المغامرة في البناء القصصي مع الاهتمام أكثر بالتفاصيل ، أي بنحت الصورة تأثّرا بالتطوّر الحاصل في مجالات الاتّصال....
فالقصّة القصيرة التونسيّة عموما نهضت على الانفتاح على تجارب الآخر – الغرب و الشّرق – و لم تنس هويّتها و تربتها...و نلحظ تغايرا في التجارب من الواقعي إلى الذهني إلى التراثي...و اختلافا بالطّبع في البنى القصصية شكلا و لغة و فضاءات....
